الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ . تفريع على قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] فإن كان المراد في الآية المعطوف عليها بالأربعة الأشهر أربعة تبتدئ من وقت نزول براءة كان قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ تفريعا مرادا منه زيادة قيد على قيد الظرف من قول : أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] أي : فإذا انتهى أجل الأربعة الأشهر وانسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين إلخ لانتهاء الإذن الذي في قوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ التوبة : 2 ] ، وإن كانت الأربعة الأشهر مرادا بها الأشهر الحرم كان قوله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ تصريحا بمفهوم الإذن بالأمن أربعة أشهر ، المقتضي أنّه لا أمن بعد انقضاء الأربعة الأشهر ، فهو على حدّ قوله تعالى : وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 2 ] ، - بعد قوله - غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 1 ] فيكون تأجيلا لهم إلى انقضاء شهر المحرم من سنة عشر ، ثم تحذيرا من خرق حرمة شهر رجب ، وكذلك يستمرّ الحال في كلّ عام إلى نسخ تأمين الأشهر الحرم كما سيأتي عند قوله تعالى : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ . . . فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [ التوبة : 36 ] . وانسلاخ الأشهر انقضاؤها وتمامها وهو مطاوع سلخ . وهو في الأصل استعارة من سلخ جلد الحيوان ، أي إزالته . ثم شاع هذا الإطلاق حتى صار حقيقة . والحرم جمع حرام وهو سماعي لأنّ فعلا بضم الفاء والعين إنما ينقاس في الاسم الرباعي ذي مد زائد . وحرام صفة . وقال الرضي في باب الجمع من « شرح الشافية » إن جموع التكسير أكثرها محتاج إلى السماع ، وقد تقدّم عند قوله تعالى : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ في سورة البقرة [ 194 ] . وهي ذو القعدة وذو الحجّة ومحرّم ورجب . وانسلاخها انقضاء المدّة المتتابعة منها ، وقد بقيت حرمتها ما بقي من المشركين قبيلة ، لمصلحة الفريقين ، فلما آمن جميع العرب بطل حكم حرمة الأشهر الحرم ، لأنّ حرمة المحارم الإسلامية أغنت عنها . والأمر في فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ للإذن والإباحة باعتبار كلّ واحد من المأمورات على حدة ، أي فقد أذن لكل في قتلهم ، وفي أخذهم ، وفي حصارهم ، وفي منعهم من المرور بالأرض التي تحت حكم الإسلام ، وقد يعرض الوجوب إذا ظهرت مصلحة عظيمة ، ومن صور الوجوب ما يأتي في قوله : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ